حسن الأمين
280
مستدركات أعيان الشيعة
وأخبارها ، والأخذ من كل علم بطرف : يريدون من علوم اللسان العلوم الشرعية من حيث متونها ، وهي القرآن والحديث . حفل القرن الرابع بعدد كبير من رواة الأدب شعره ونثره ، وبآثار قيمة عد بعضها من كتب الأصول لهذا الفن ، ظهر فيه أبو بكر محمد بن دريد الأزدي 223 - 321 وكان مقدما في رواية اللغة . والأدب ، والقصص والأنساب ، ومن تلاميذه أبو علي القالي ، وأبو سعيد السيرافي ، وأبو عبيد الله المرزباني ، وعلي بن محمد الكاتب . ونبغ فيه أبو بكر بن الأنباري المتوفى سنة 328 وهو من أعلم البغداديين لغة وأدبا وحفظا للشعر والشواهد ، وشرحه « للمفضليات » يشهد بغزارة علمه . وأبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني ، وحسبي ذكر مؤلفه إشادة بمقدار ما حفظ ووعى ، من نصوص أدبية وتاريخية . وأبو عبيد الله المرزباني صاحب كتاب « الموشح » و « معجم الشعراء » ، يروي عن ابن دريد ومن في طبقته توفي سنة 384 وكان أستاذا للمرتضى في الرواية . وعلي بن محمد الكاتب يروي عن « ابن دريد » ، و « الصولي » ومن في طبقتهما ، وكان من أساتذة المرتضى في الرواية . وأبو القاسم « عبيد الله بن عثمان بن يحيى الدقاق » كان من أساتذة المرتضى ، وممن يروي عن أبي عبيد الله محمد بن أحمد الحكم الكاتب عن « ثعلب » . وهكذا ترى أن أهم كتب الأدب وضعت في القرن الرابع وقبيله . قال ابن خلدون : سمعنا من شيوخنا أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين : هي « أدب الكاتب » لابن قتيبة ، وكتاب « الكامل » للمبرد ، وكتاب « البيان والتبيين » للجاحظ ، وكتاب « النوادر » لأبي علي القالي البغدادي وما سوى هذه الأربعة فتبع وفروع عنها ، وقد ألف أبو الفرج الأصبهاني - وهو ما هو - كتابه في الأغاني ، وهو لعمري ديوان العرب ، وجامع أشتات المحاسن ، ولا يعدل به كتاب فيما نعلمه . ويبدو من مؤلفات « السيد المرتضى » - وبخاصة ما كان منها أدبيا - أنه كان قوي الحافظة ، كثير الرواية والأخذ ، وأنه بما أخذه من كتب القدماء ، وبما رواه عن أساتذته لا يقل شانا عن « المبرد » و « أبي علي القالي » و « ابن الأنباري » وأمثالهم ، فقد وقف الرجل فيما قرأناه من أماليه وغيره على كثير من مأثور « الأصمعي » و « ابن السكيت » و « أحمد بن عبيد » و « أبي بكر العبدي » . قرأ تاريخ الطبري والبلاذري وأبي مخنف واقتبس من كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة ، والكامل للمبرد ، وديوان الحماسة للبحتري ، وترجم لكثير من شعراء المعتزلة والجبرية ، وأطال في قصص المعمرين وأئمة الخوارج . أما اختيار الشعر ورواية قصائده ، فإنه لا يكاد يترك شاعرا ذا أثر قيم من عهد الجاهلية إلى نهاية القرن الذي عاش فيه الا ذكره . وسنتحدث عن ميزة كتاب « الأمالي » بين كتب الأدب عند دراسة أدبه ، ونشير في أطناب إلى منزلة هذا الكتاب بين كتب الأدب الأخرى . مميزات الحياة العلمية في المذاهب وأثرها في المرتضى ثانية الظاهرتين تمايز العلوم والفنون فيما بينها ، ووضوح المذاهب والنحل الإسلامية بما كتب في أصول العقائد . أما التمايز بين العلوم فهو ظاهرة طبيعية تبدو أثر نضج العلوم ، وأخذها سبيل التكامل . وأما وضوح المذاهب والنحل فقد أرانا القرن الرابع من نشاط المتكلمين في التأليف وفي المناظرة ، ما لا بد من جلاء هذه المذاهب ووضوحها ، فقد شهدنا لكل مذاهب المتكلمين ظاهرية وأشعرية ، ومعتزلة وشيعة دعاة وحملة ، وأنصارا وأتباعا ، يتجادلون فيها ويتناظرون عليها ، ويتواجهون بها في غير ترقب وخيفة ، بحيث لم تبق فكرة إلا استجلبت ، ولا دعوة إلا عرفت ، ولا وسيلة هجوم أو دفاع إلا وقد ألقي بها في الميادين . ويكفي للتدليل على صحة ما أوردناه أن نشهد كتب الآراء والنحل تظهر في طلائع القرن الخامس فلا يجد مؤلفوها صعوبة في عرفان كل المذاهب والطرق الإسلامية ، لكثرة ما وقع لهم من كتب العقائد والكلام . والذي أبغى التنصيص عليه أن هذا القرن بما انكشف فيه من وجوه المعرفة تجلى فيه واقع كثير من المذاهب والعقائد الإسلامية ، وأن أي مذهب لم يعلن عن نفسه ، ويحدد مركزه ومقامه من بين المذاهب الأخرى ضعف وقل معتنقوه في هذا القرن وفي القرون التي تلته . لذلك لم ينقض القرن الرابع إلا وقد قضى على كثير من الفرق التي لم تجد وسيلة لحمايتها والذود عنها ، أو ظلت تعمل في كتمان وفي نطاق ضيق بالنسبة للمذاهب الأخرى ، فكان على رجال كل مذهب أن ينشطوا للذياد عنه ، وتحريره وإعطائه صفة السلامة ، أو صفة القدرة على البقاء . أقول هذا لأنتهي إلى أن صنيع « المرتضى » العلمي والأدبي كان متأثرا بهذا الدافع المذهبي ، وأن نشاطه كان من نشاط كثير من أعلام المذهب الشيعي الذين عاصروه . فقد نبغ فيه من الشيعة « ثالوث » لم يعرف القرن الرابع أكثر منهم ذيادا عن مذهبه ، وحماسة لفكرته . أولهم : أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري المعروف « بالمفيد » و « ابن المعلم » 336 - 413 ، وقد كان رجلا جريئا صريحا لا يزوي من عقيدته طرفا ، وكتابه « العيون والمحاسن » و « أوائل المقالات » يشهدان له بهذه الجرأة والصراحة . قال أبو حيان التوحيدي - في عرض وصفه للمتكلمين : وأما ابن المعلم ، فحسن اللسان والجدل ، صبور على الخصم ، كثير الحيلة ، ضنين السر ، جميل العلانية . ( 1 ) وقال الخطيب البغدادي : صنف « ابن المعلم » كتبا كثيرة في ضلالتهم - بريد الشيعة - والذب عن اعتقادهم ومقالاتهم ، وكان أحد أئمة الضلال ، هلك به خلق كثير . ( 2 )
--> ( 1 ) الامتاع والمؤانسة ج 1 ص 141 ط لجنة الترجمة . ( 2 ) تاريخ بغداد ج 3 ص 231 طمصر .